الغزالي
59
إحياء علوم الدين
كما تتقلى الحبة في المقلى ، ثم يثب فيدرجه ويستقبل القبلة حتى الصباح ، ويقول . طيّر ذكر جهنم نوم الخائفين . وقال الحسن البصري رحمه الله : يخرج من النار رجل بعد ألف عام ، يا ليتني كنت ذلك الرجل وإنما قال ذلك لخوفه من الخلود وسوء الخاتمة . وروي أنه ما ضحك أربعين سنة قال وكنت إذا رأيته قاعدا كأنه أسير قد قدم لتضرب عنقه . وإذا تكلم كأنه يعاين الآخرة فيخبر عن مشاهدتها . فإذا سكت كأن النار تسعر بين عينيه . وعوتب في شدة حزنه وخوفه فقال : ما يؤمنني أن يكون الله تعالى قد اطلع في علي بعض ما يكره ، فمقتنى ، فقال اذهب فلا غفرت لك ، فأنا أعمل في غير معتمل وعن ابن السماك قال . وعظت يوما في مجلس ، فقام شاب من القوم فقال . يا أبا العباس لقد وعظت اليوم بكلمة ما كنا نبالى أن لا نسمع غيرها . قلت وما هي رحمك الله ؟ قال قولك : لقد قطع قلوب الخائفين طول الخلودين ، إما في الجنة أو في النار . ثم غاب عنى ، ففقدته في المجلس الآخر فلم أره ، فسألت عنه ، فأخبرت أنه مريض يعاد . فأتيته أعوده ، فقلت يا أخي ما الذي أرى بك ؟ فقال يا أبا العباس ، ذلك من قولك . لقد قطع قلوب الخائفين طول الخلودين إما في الجنة أو في النار : قال ثم مات رحمه الله ، فرأيته في المنام ، فقلت يا أخي ما فعل الله بك ؟ فال غفر لي ورحمنى وأدخلني الجنة ، قلت بما ذا ؟ قال بالكلمة . فهذه مخاوف الأنبياء ، والأولياء ، والعلماء ، والصالحين ونحن أجدر بالخوف منهم . لكن ليس الخوف بكثرة الذنوب ، بل بصفاء القلوب ، وكمال المعرفة وإلا فليس أمننا لقلة ذنوبنا وكثرة طاعاتنا ، بل قادتنا شهوتنا ، وغلبت علينا شقوتنا ، وصدتنا عن ملاحظة أحوالنا غفلتنا وقسوتنا . فلا قرب الرحيل ينبهنا ، ولا كثرة الذنوب تحركنا ، ولا مشاهدة أحوال الخائفين تخوفنا ، ولا خطر الخاتمة يزعجنا . فنسأل الله تعالى أن يتدارك بفضله وجوده أحوالنا فيصلحنا ، إن كان تحريك اللسان بمجرد السؤال دون الاستعداد ينفعنا ومن العجائب أنا إذا أردنا المال في الدنيا زرعنا ، وغرسنا ، واتجرنا وركبنا البحار والبراري وخاطرنا ، وإن أردنا طلب رتبة العلم تفقهنا وتعبنا في حفظه وتكراره وسهرنا ، ونجتهد في طلب أرزاقنا ولا نثق بضمان الله لنا ، ولا نجلس في بيوتنا فنقول اللهم ارزقنا ، ثم إذا طمحت أعيننا نحو الملك الدائم المقيم ، قنعنا بأن نقول بألسنتنا اللهم اغفر لنا وارحمنا ! والذي إليه رجاؤنا ، وبه اعتزازنا ، ينادينا ويقول * ( وأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى « 1 » ) *
--> « 1 » النجم : 39